إثارات فكرية (٥)

إثارة في العقيدة/ ٥:

صار في الأذهان بديهيًا أن المبدأ لا بد أن يكون خارج إطاري الزمان والمكان، ولأنهما الحدّان الأساس في هذا الوجود العريض، فإن المبدأ إذن غير أي شيء قد يتوهمه إنسان، وهذا في الواقع هو عمق الجلال وجوهر التنزيه..

نتحدث الآن عن (المعرفة)، وفي هذا الحديث أصل جديد غاية في الأهمية..

إن (الفهم) الذي يمارسه الإنسان اليوم أسميه (علمًا دونيًا)، فهو في الواقع محصور بين ما يدركه في حدي الزمان والمكان، فالإنسان مقهور تمامًا بهذين الحدين ولا يتمكن من اختراقهما بغير (المعرفة) التي تحوله إلى آفاق (العلم العلوي).. فما هي (المعرفة)؟

إنها قدرة هائلة جبارة تمكن الإنسان من مغادرة وتجاوز الأعيان المادية إلى عالم الواقع والحقيقة، وهو عالم المفاهيم المجردة، وبالتالي فإن حقيقة (العلم) إنما هي (معرفة) المبدأ الأول معرفةَ تنزيه مطلق، ومن لا يتمكن منها يبقى محبوسًا مقهورًا في (العلم الدوني) سجين الماديات والتجارب القاصرة، ولن يصل بالغ ما بلغ إلى أكثر من الضرب في التيه وإن تسامت اختراعاته واكتشافاته، وهذا ما سترى علميته وموضوعيته في الإثارات القادمة إن شاء الله تعالى.

وصلنا في هذه المرحلة إلى أمور، هي:

١/ لا بد أن يكون لهذا الوجود مبدأ أول.

٢/ يستحيل أن يكون هذا المبدأ ماديًا.

٣/ لا يكون هذا المبدأ مبدأ إن لم يكن خارج إطاري الزمان والمكان حقيقة وتكوينًا.

٤/ الوقوف على هذه الأصول البرهانية اليقينية إنما هو وقوف واقعي على حقيقة العلم وتمام المعرفة بما يناسب شأن الإنسان؛ وهذا ما تم بيانه سابقًا، وسوف يتضح أكثر وأكثر لاحقًا إن شاء الله تعالى.

يبقى أن نحاول الإجابة على سؤال:

* كيف نتمكن من تصور (الخلق الأول)؟

– هل هو معلول للمبدأ الأول؟

– إذا كان معلولًا له فلازم ذلك المجانسة بينهما، وهذا ما تم نفيه بعد البرهنة على تنزه المبدأ الأول مطلقًا، فكيف نتصور الأمر؟

محمد علي العلوي

٨ جمادى الآخرة ١٤٣٥ هجرية


 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *