إثارات فكرية (٢٤):

نعم، إنه لا يُتصور صلاحُ حالٍ إلا بوجود (فاعل) صالح يمتلك مؤهلات التغيير وصناعة واقع جديد لصالح الإصلاح..

ولكن هذا الواقع الجديد وبالرغم من وجود (الفاعل) بمستوى النبي الأكرم وأوصيائه الميامين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، لا يتصور أيضًا ما لم يكن (القابل) على درجة من الكفاءة التي تُمَكِّنُه من استيعاب أطروحة الإصلاح من (الفاعل).

وهذا مثال بسيط جدًا..

النار (فاعل) طبعه الإحراق، ولكنها لا تحرق:

١/ ورقة مبلولة بالماء، وهذا بالرغم من أن الورق (قابل) للاحتراق، غير أن الماء (مانع).

٢/ نفس الماء؛ فهو غير (قابل) للاحتراق!

وفي المقابل، قد يكون (القابل) على درجة عالية من الاستعداد لاستيعاب الأطروحة التغييرية، وهو هنا يحتاج إلى (فاعل) يمتلك القدرة على التناغم ثم التفاعل مع (القابل) فيكون التغيير.

فالنار (محرقة) ولكن نار (عود الثقاب) أضعف من التأثير في عمود من حديد، كما وأن نار (البركان) تدمر ذلك العمود!! فتأمل جيدًا..

وهنا قاعدة:

بمجرد أن يظهر التلاوم بين الطرفين واتهام كل منهما للآخر، اعلم يقينًا بأن ثمة خلل استراتيجي في كليهما.

والسبب في ذلك:

أن (الفاعل) و(القابل) إنما هما صنيعة نفس المجتمع، وهذا ما تبينه الآية الكريمة: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ).

فالتغيير في الجماعة (القوم) أثر تكويني للتغيير التشريعي في أفراده (أنفسهم)، وبقدر واتجاه ما يكون من تغيير يكون الأثر.

ولذلك:

فإن كل فكرة.. كل ثقافة.. كل أخلاقية.. كل سلوك منَّا في الخارج إنما هو كالعامل الذي يشيد الحال ويبني الواقع، فإن كان صلاحًا كان البناء صالحًا، والعكس بالعكس صحيح، وهو قوله (عليه السلام): “أعمالكم عمالكم، كما تكونوا يولَّى عليكم”.

محمد علي العلوي

٢٧ جمادى الآخرة ١٤٣٥ هجرية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *