الرئيسية / مقالات / النفس المريضة ومشكلتا الجهل المركب والمكابرة

النفس المريضة ومشكلتا الجهل المركب والمكابرة

السيد محمد علي العلوي

11 شعبان 1433هـ / 2 يوليو 2012م

 

مشكلة المرض النفسي أنه يعرض على شخصية الفرد، أي أن محله (الأنا) التي طالما أوردت صاحبها موارد الهلكة، والإنسان بطبعه يرفض اقتراب أي أحد من شخصيته (الأنا) على اعتبار أنها الهوية التي يظهر من خلالها بين الناس ليعرف ويُشَخَّصُ بها.

فليلاحظ القارئ الكريم حال المنافق –مثلًا-، فلأنه يعيش مرضًا نفسيًا عميقًا فإنك تجده في محاولات مستمرة لإخفائه وإظهار عكسه (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)..

يعرف علماء النفس المرض النفسي بأنه (اضطراب وظيفي يتميز بوجود صراعات داخلية وتصدع في العلاقات الشخصية)، وحتى نعرفه جيدًا ونتمكن من تشخيصه كمرض فمن اللازم أولًا التعرف على ضده وهو الشخصية السوية الخالية من الأمراض، وهذا متعذر جدًا إن لم نكتشف الفطرة الإنسانية كما هي، ولا شك في أن الطريق إلى ذلك هو ذات النفس الشخصية وتحديدًا من خلال اعترافها الأصيل بالنقص والقصور مطلقًا من البداية وحتى النهاية.

أنا ناقص قاصر من جميع جهات وجودي.. قاصر في وجودي الفيزيائي، وقاصر في وجودي الروحي، وقاصر في وجودي الذهني والعقلي والفكري (إلهي تردّدي في الآثار يوجب بُعد المزار فَاجمعني عليك بحذمة توصلني اليك، كيف يُستَدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر اليك ؟ أيكونُ لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكونَ هو المظهِرَ لك)، وعين هذا النقص والصور هو المولد الحقيقي لأصل الحركة والسعي نحو تعويض النقص والقصور وسدهما، ومن هنا تحديدًا تبدأ المشكلة النفسية..!

هناك من يسعى نحو (التكامل) بالطريق الطبيعي وهو الاندماج الاجتماعي بلا تكلف أبدًا، وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “ خذ الحكمة أنّى كانت، فانّ الحكمة تكون في صدر المنافق فتلجلج في صدره حتّى تخرج فتسكن في صدر المؤمن”، وقال (عليه السلام) أيضًا: “الحكمة ضالّة المؤمن فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق”، وبتدبر قوله تعالى (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) والآيات الأخرى التي تتحدث عن الحكمة وأنها مما أوكل إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) مهمة تعليمها الناس (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، وبما أن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه، فإنه يتضح لنا وبشكل لا تشوبه شائبة بأن الحكمة هي النافية قطعًا لكل الأمراض النفسية؛ إذ أن المرض النفسي هو في واقعه إضطراب في عملية التناسق بين الفطرة من جهة والفكر والسلوك من جهة أخرى، ومن هنا نفهم جيدًا بأن (كل نفساني يقطع على الإنسان طريقه نحو تحصيل الحكمة فهو مرض نفسي يحتاج إلى علاج)، وهي القاعدة التي خَلصتُ إليها بعد بحث مفصل في موضوع المرض النفسي، أو بحسب التعبير القرآني (المرض القلبي).

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن (المرض القلبي) درجات تبدأ مما لا يلحظ إلا مع التدقيق وتنتهي إلى ما هو مفضوح مشهور، والمشكلة في المقام أنه كلما ارتفع المرض درجة كلما أورث في النفس حالة من العناد المانع من الاعتراف به، وفي هذه المرحلة تتردد الخطورة بين الجهل المركب تارة وبين المكابرة تارة أخرى.

الاستئثار.. رفض الآخر.. ظن السوء.. حب التسلط.. حب الشهرة والبروز.. التخلص من المنافس.. الشعور بالمحورية.. الكذب.. النفاق.. النميمة.. الغيبة.. التكبر.. التآمر.. تعمد خلط الأمور.. عبادة الشخصيات وتصنيمها.. الانغلاق على الفكرة.. تخطئة الآخرين دائمًا.. الانتقام.. النهي عن أمر والإتيان بمثله..  

كلها وغيرها كثير من موانع تحصيل الحكمة إنما هي أمراض قلبية مقيتة نعاني منها كثيرًا على المستوى الفردي والاجتماعي والمجتمعي، ومما يعقد الحل أن المريض يرفض الاعتراف بمرضه ويتسلح بمختلف الأسلحة، أسلحة البطش اللسانية لمحاربة هذا وذاك بناء على الظنة والمرجوحات وبفنون الدواهي المخزية.. للأسف، فإن مثل هذه الأمراض لا زالت تنتشر بيننا كبارًا وصغارًا وبشكل مخيف جدًا..

في السطور التالية أذكر بعض القرآنيات التي قرر فيها الله تعالى توصيفات واضحة لجملة من الأمراض القلبية المقيتة، ومنها نتمكن من المضي على طريق انتزاع مفاهيم كلية ثابتة تمكننا من الفهم الصحيح والتشخيص الموضوعي لأمراض القلب..

  • (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ).. نعم، إذا رآك فهو يقبل عليك بابتسامة عريضة ووجه مستبشر فيأخذك بالأحضان ويهيل عليك القبلات.. وبمجرد أن تدبر ويخلو هو إلى جماعته أو سادته فإنه لا يتورع عن رميك بسهام الغيبة والتسقيط والاستنقاص والتصغير.. هذا مريض في قلبه ويحتاج إلى علاج سريع..
  • (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً).. ينسب كل حسن إلى نفسه، فإن بذلت أنت المجهود وأنجزت الأعمال وحققت النجاحات فإنه يفعل كل شيء من أجل أن ينسب الأمر إلى نفسه وأنه صاحب المبادرة والفكرة والعطاء، ولكن إن لم توفق في عملك فإنه أول من يرمي بسهامه في صدرك مقزمًا مستصغرًا مستهينًا.. هذا مريض في قلبه ويحتاج إلى علاج سريع..
  • (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي).. هو العالم وهو الفاهم وهو المحنك وهو صاحب التجربة، أما غيره فمتطفل طارئ متجاسر لا يفهم ولا يعي!! هذا مريض في قلبه ويحتاج إلى علاج سريع..
  • (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ).. شمَّاعَاتُه جاهزة دائمًا وأبدًا، ومن المستحيل عليه أن يعترف بخطأ أو زلة، ولكنه بارع في رمي بلاياه على الآخرين.. هذا مريض في قلبه ويحتاج إلى علاج سريع..
  • (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ).. هكذا يرى في نفسه دائمًا بأنه المحور وأنه المستهدف من الآخرين وما إلى ذلك من خزعبلات المرض القلبي الذي يوهمه بأن كل من يدخل عليه فهو يريد انتزاع الصدارة منه وسحب البساط من تحت قدميه.. مرض قلبي معقد جدًا ويحتاج إلى علاج سريع..

هذا جانب من البيان القرآني، وفي التربويات المقررة الكثير من الأمراض المشخصة والتي من شانها تدمير المجتمع تدميرًا شمالًا ولا أبالغ..

التعصب.. السب والشتم.. ضرب الآباء لأبنائهم في غير موارد التأديب المشروعة.. الخصام.. اللجاج..

ألا يرى القارئ الكريم بأننا في حاجة ماسة إلى معاهد متخصصة في علاج الأمراض القلبية التي يعجز الطب النفسي عن علاجها مثل هذه التي أشير إليها في هذه السطور؟

ألا يرى القارئ العزيز بأننا نحتاج جدًا إلى تظافر الجهود من أجل الكشف عن هذه الأمراض القلبية ومحاربتها بقوة وحكمة حتى ننشر في المجتمع الثقافية الإنسانية كما هي في القرآن الكريم وسيرة المعصومين (عليهم السلام)؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *